السيد محسن الأمين
66
أعيان الشيعة
وإذا قريش بالفخار تساجلت * كنت الجدير به وكنت زعيمها وعليك سلمت الغداة بامرة * للمؤمنين فما رعت تسليمها وقال النابغة في صفين وقد حدا بعلي ع . قد علم المصران والعراق * ان عليا فحلها العتاق أبيض جحجاح له رواق * وأمه غالى بها الصداق أكرم من شد له نطاق * ان الأولى جاروك لا أفاقوا لهم سباق ولكم سباق * قد علمت ذلكم الرفاق سقتم إلى نهج الهدى وساقوا * إلى التي ليس لها عراق وأورد له نصر في كتاب صفين شعرا وقال عندنا أكثر من مائة بيت فكتبت الذي يحتاج إليه : سألتني جارتي عن أمتي * وإذا ما عيي ذو اللب سال سألتني عن أناس هلكوا * شرب الدهر عليهم واكل بلغوا الملك فلما بلغوا * بحساب وانتهى ذلك الاجل وضع الدهر عليهم بركة * فأبيدوا لم يغادر غير نل فأراني طربا في اثرهم * طرب الواله أو كالمختبل أنشد الناس ولا انشدهم * انما ينشد من قال أضل ليت شعري إذ مضى ما قد مضى * وتجلى الامر لله الاجل ما يظنن بناس قتلوا * أهل صفين وأصحاب الجمل أينامون إذا ما ظلموا * أم يبيتون بخوف ووجل وقال الدكتور يحيى الجبوري : وقد سمي بالنابغة لنبوغه في الشعر وهو كبير ، فقد امضى ثلاثين عاما من عمره لا يقول الشعر ، ثم انطلق لسانه بعد ذلك يجيد الشعر ، فنبغ بذلك شاعرا . وقد جمعت بين النابغة وليد العامري صفات وصلات كثيرة ، فكلاهما شاعر من بني عامر ، ومخضرم من المعمرين ، وكلاهما اهتم بالدفاع عن قومه والفخر بهم في الجاهلية ، وكلاهما فقد أخاه فبكاه وقال فيه رثاء جيدا كثيرا ، وكلاهما أدرك الاسلام ولقي رسول الله ص وتمسك بالاسلام وانصرف إلى القرآن فزهد وتنسك . والنابغة الجعدي معدود في المعمرين الذين جاوزوا المائة سنة ، وقد بالغ الرواة في هذه المجاوزة ، فقالوا انه بلغ مائة وستين أو مائة وثمانين سنة ، ويعتمدون في ذلك على أبيات انشدها النابغة لعمر بن الخطاب ، هي قوله : لبست أناسا فأفنيتهم * وأفنيت بعد أناس أناسا ثلاثة أهلين أفنيتهم * وكان الاله هو المشتاسا فسأله عمر : كم لبثت مع كل أهل ؟ قال ستين سنة ويريد بالأهل الجيل ، ويقدره المحدثون بثلاثين إلى أربعين سنة فيكون قد عمر النابغة حوالي مائة وعشرين سنة على أكثر تقدير وهذا يتناسب مع عمر النابغة وطبيعة الحياة . ويعتز النابغة بعمره الطويل الذي شهد فيه دهرا ممتدا في الجاهلية وقف فيه على أيامها واحداثها ، وأدرك الاسلام فلقي رسول الله ص ، وسمع القرآن واطمأن قلبه إليه وذلك حيث يقول : قالت امامة كم عمرت زمانه * وذبحت من عثر على الأوثان ولقد شهدت عكاظ قبل محلها * فيها وكنت أعد ملفتيان وعمرت حتى جاء احمد بالهدى * وقوارع تتلى مع الفرقان ولبست مل اسلام ثوبا واسعا * من سيب لا حرم ولا منان وكان النابغة من القلة التي ثبتت في الجاهلية على دين إبراهيم دين الفطرة والتوحيد ، فقد وحد الله سبحانه ولم يشرك به شيئا فسبحه وأثنى عليه بما هو أهل له ، وكذلك حرم الخمر على نفسه ، وأنكر أوثان وهجر الأزلام ، وكان يذكر الله في جاهليته كثيرا ويلهج بحمده وتوحيده فينشد في ذلك قوله : الحمد لله لا شريك له * من لم يقلها فنفسه ظلما وبعد فتح مكة وانتصار الاسلام في حنين والطائف ، سارعت القبائل البدوية إلى الدخول في دين الله ، فخفت الوفود إلى لقاء رسول الله ص سنة تسع من الهجرة المباركة ، وكان النابغة مع وفد قبيلته ، فلقي الرسول الكريم ، وبايعه على الاسلام ، وانشده من شعره قصيدته الطويلة التي تحفل بالمعاني الدينية من ذكر الآخرة وحمد لله تعالى وتسبيحه والتفكير في آلائه ، وذكر الرسول عليه الصلاة والسلام والثناء عليه بما هو أهله . . . ويبدو ان النابغة كان قد هيا القصيدة قبل ذلك ، أو انه أضاف إليها الجزء الاسلامي أثناء اقامته في المدنية ، إذ انه لزمها وأقام فيها ولم يرجع إلى قبيلته في البادية ، والقصيدة من ملاحم العرب البديعة التي استهلها بقوله : خليلي غضا ساعة وتهجرا * ولوما على ما أحدث الدهر أو ذرا ويقول البغدادي : ان هذه القصيدة طويلة تقع في نحو مائتي بيت انشدها كلها بين يدي رسول الله ص وكان الرسول قد أعجب بها واثنى على النابغة ، يقول فيها ذاكرا حاله وايمانه وثباته على الدين : أتيت رسول الله إذ جاء بالهدى * ويتلو كتابا كالمجرة نيرا وجاهدت حتى ما أحس ومن معي * سهيلا إذا ما لاح ثمت غورا أقيم على التقوى وارضى بفعلها * وكنت من النار المخوفة أوجرا وقد تمثل النابغة الآيات الكريمة ، وظهر اثرها في هذه القصيدة كما حاول ان يستعمل التعابير القرآنية والألفاظ الاسلامية كما ترى في هذه الأبيات من مثل : الهدى والكتاب والجهاد والنار المخوفة وهكذا ، ثم يمضي في انشاد القصيدة والرسول الكريم يستمع ، فإذا بلغ قوله : بلغنا السماء مجدنا وجدودنا * وانا لنبغي فوق ذلك مظهرا قال رسول الله ص فأين المظهر يا أبا ليلى ؟ وأبو ليلى كنية النابغة الجعدي فقال : الجنة يا رسول الله ، فقال النبي ص قل إن شاء الله قال : إن شاء الله ، ثم مضى في انشاده يقول : ولا خير في حلم إذا لم تكن له * بوادر تحمي صفوة ان يكدرا ولا خير في جهل إذا لم يكن له * حليم إذا ما أورد الامر أصدرا